ترجّل المصور السعودي حمد العبدلي عن مشهد الصورة، تاركًا وراءه ذاكرةً بصرية وثّقت المكان والإنسان، وحفظت بعدسته ملامح نخيل العذيبات وذكريات بداياتها. وبذلك فقدت الساحة الثقافية والفنية أحد رواد التصوير الفوتوغرافي في المملكة العربية السعودية.
وبرحيله، يودّع صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة التراث غير الربحية، صديقًا مبدعًا امتدت معرفته به عقودًا، ومصورًا بارعًا حملت عدسته شيئًا من ذاكرة البدايات في نخيل العذيبات.
وقال سموه مستذكرًا الراحل: «رحم الله أخينا حمد العبدلي؛ عرفته مصورًا سعوديًا محترفًا ومبدعًا، وبدأت معرفتي به سنة 1984م في أمريكا، حين كلف الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، حين كان أميرًا لمنطقة الرياض آنذاك، باختيار حصان وفرس من الخيل العربية الأصيلة لإهدائهما إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان. وكلّفني، حفظه الله، بتصويرهما وإعداد ألبوم خاص بهما، فاستعنت بالمصور المبدع حمد العبدلي لتصوير الخيول في مزرعة الملك سلمان بالعفجة في الخرج. وكانت مهمة كبيرة نجحنا في إنجازها، وأثبت العبدلي خلالها جدارته وإبداعه. ثم جمعتنا أعمال في العذيبات، وكان مع الراحل صالح العزاز من الذين حفظوا بعدساتهم تفاصيل تلك المرحلة؛ فلم يكونا يصوّران المكان فحسب، بل كانا يحفظان روح التحوّل وذكريات من صنعوه».

المصور حمد العبدلي

د.أحمد مصطفى، ود. صالح لمعي وبينهما المصور الراحل صالح العزاز، نخيل العذيبات 1995م
وكان العبدلي من الأسماء الرائدة في مسيرة التصوير السعودي، وسبق أن كرّمه الأمير سلطان بن سلمان عام 2013م، ومنحه «جائزة الأمير سلطان بن سلمان للرواد في التصوير الضوئي» في فعاليات ملتقى ألوان السعودية تقديرًا لإسهامه في هذا الفن.

الأمير سلطان بن سلمان خلال تكريمه المصور حمد العبدلي بـ “جائزة الأمير سلطان بن سلمان للرواد في التصوير الضوئي”، ضمن فعاليات ملتقى ألوان السعودية عام 2013م.“
سماها «عَذْبة العذيبات»
لم تكن العذيبات بالنسبة إلى حمد العبدلي موقعًا يزوره لإنجاز الصور، بل مكانًا توثقت صلته به حتى غدا جزءًا من ذاكرة عدسته، وكان يدلّلها باسم «عَذْبة العذيبات»، وقد وصفها بأنها «البذرة الأولى للدرعية»، ورأى أن سر التجربة يكمن في وضوح رؤية الأمير سلطان بن سلمان، الذي كما قال: «لم يكن سموه يحب أنصاف الحلول، وكانت عنايته تمتد إلى أدق تفاصيل المبنى، كأنه يرى النتيجة مكتملة قبل أن يراها الآخرون».
أكثر من ألفي صورة توثّق البدايات
رافق العبدلي تحوّلات نخيل العذيبات خطوة بخطوة، في زيارات متكررة في التسعينيات الميلادية أثمرت أرشيفًا تجاوز ألفي صورة، سجّل مراحل الترميم وملامح العمارة ووجوه الحرفيين والعاملين، وكان ذلك قبل عصر التصوير الرقمي؛ حين كانت الصورة تُلتقط على شريحة فيلم، ثم تنتظر العودة إلى المعمل والتحميض كي تظهر. ومع ذلك، لم تلاحق عين العبدلي المباني وحدها، بل رأت الإنسان والطين والنخيل، وحفظت البدايات في صورتها الحية. وفيما يلي مجموعة من صور نخيل العذيبات بعدسة العبدلي:






العودة إلى الأرض
شكّلت أعمال العبدلي الفوتوغرافية جزءًا أصيلًا من السجل البصري لتجربة البناء بالطين في نخيل العذيبات؛ إذ ضمّ كتاب «Back to Earth»، الصادر عن مؤسسة التراث غير الربحية، عددًا منها، وصدر بطبعته الإنجليزية الأولى عام 1997م، ثم بطبعته الإنجليزية الثانية عام 2015م، وصدرت في العام نفسه نسخته العربية بعنوان «العودة إلى الأرض»، فيما ستعود مجموعة من صوره الأصلية ضمن الإصدار الجديد الذي تعدّه مؤسسة التراث غير الربحية عن العذيبات؛ لتواصل عدسته رواية المكان وحفظ ذاكرة بداياته.

وفاءٌ حتى المكالمة الأخيرة
لم تنته الصداقة بانتهاء الأعمال والكتب، بل بقيت حاضرة حتى أيام العبدلي الأخيرة. وفي يونيو الماضي، زاره سموه في منزله بمدينة عنيزة للاطمئنان إلى صحته. وقال سموه: «حين حالت ظروفه الصحية دون مشاركته في احتفاء العذيبات بالدكتور صالح لمعي ورفاق البدايات، زرته في منزله بعنيزة في يونيو الماضي. وكانت آخر مكالمة بيننا قبل أيام قليلة من رحيله في فجر يوم الجمعة 28 أغسطس 2026م؛ كان المرض يثقله، لكنه بقي متفائلًا بالخروج من المستشفى. أسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وخالص العزاء والمواساة لأسرة الفقيد ومحبيه وزملائه».

